خضير جعفر

56

الشيخ الطوسي مفسرا

الاعتزال وسوء المذهب . ثم أعقب ذلك تفاقم الأوضاع وسوء الحالة ، حينما تضاعفت حالة الاضطهاد المذهبي ، واشتدّت في خراسان خاصّة بعد وصول الدعوة الإسماعيليّة المصريّة إليها « 1 » ، الأمر الذي أدّي بالشيخ الطوسي كما أدّي بغيره من العلماء وطلّاب العلوم من غير أبناء المذهب السني لأن يهربوا من جحيم الاضطهاد إلى بلد آخر ، فكانت بغداد محطّ الرحال لهم ، والتي لم تكن هي أيضا بمنجى عن آثار هذه السياسة الجائرة ، وإن كانت أحسن حالا من غيرها بسبب وجود البويهيّين على رأس الحكم فيها . ولعلّ تاريخ الاضطهاد الفكري في العصر العباسي يعود إلى ما قبل وصول الشيخ الطوسي إلى بغداد بكثير ، حيث كان السبب في هذا الاضطهاد هو الصراع الفكري القائم بين المدارس الكلاميّة والفقهيّة ، والتي يشكّل الخلاف الحادّ بين أصحاب النزعة السلفيّة والنزعة العقليّة أهمّ مظاهره ، ممّا أثار غضب السلطة العباسيّة أيام المتوكّل على اللّه ( 232 - 247 ه ) ، والذي كان منحازا وبشكل متطرّف إلى المدرسة السلفيّة ، تلك المدرسة التي أخذت تضطهد الفئات المخالفة لها كالمعتزلة والشيعة ، وكلّ من يحاول التوفيق بين أحكام العقل وأحكام الشرع « 2 » ؛ وبانحياز الخليفة لهذا الاتجاه يكون السلفيّون قد زادوا من نفوذهم ، وصاروا يلوّحون بعصا التهديد لمن خالفهم ، حتى صاروا « حكومة داخل حكومة » « 3 » . وقد تدخّلوا في شؤون الناس الخاصّة ؛ ممّا سبّب الاستياء العامّ بعد أن عجزت السلطة عن ردعهم ، الأمر الذي شجّع الامراء على الخروج عن أوامر السلطة المركزيّة ، فأعلنوا استقلالهم ، ممّا أثار غضب الخليفة المستكفي باللّه ( 333 - 334 ه ) على الأتراك الذين كانوا يتولّون أمور البلاد ، وضبط الأمن فيها ، واضطرّ عندها للاستنجاد بالبويهيّين ليتسلّموا

--> ( 1 ) . مصطفى جواد ، مقالة في مجلة المجمع العلمي العراقي ، مج 4 ، ج 2 ، ص 512 . ( 2 ) المسعودي ، مروج الذهب ، ج 4 ، ص 86 . ( 3 ) . أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص 200 .